دروس التحرير السوري

 

ما تبين، حتى الآن، من تجرب "هيئة تحرير الشام" في التحرير وإدارة الوضع ما بعد نظام الأسد، هو الاستفادة من دروس الماضي القريب، من تجربة العراق ما بعد صدام، وأفغانستان تحت حكم طالبان، ومصر الثورة وما بعدها، والانقسام الليبي، بلد برأسين وحكومتين، وغيرها.

كان التحرير صناعة ذاتية، لا منَة للخارج على الثوار، نعم الإسناد التركي مشهود ولا يُنكر، لكن التخطيط والإعداد والتدبير والقرار سوري لا شبهة فيه، والخارج فوجئ بسرعة التحولات والهجوم وسقوط دمشق.

الوضع السوري معقد جدا، وإرث الداخل، التركة الكارثية للنظام البائد، أشد ثقلا ووطأة من التحديات الخارجية على أهميتها.

المزاوجة بين المرونة ومركزية القرار والتوجهات الإستراتيجية، وفصل المدني عن العسكري، كانت هي السمة الأبرز لكبرى قوى المعارضة المسلحة، سابقا، هيئة تحرير الشام، وغرفة العمليات التي حررت دمشق، ومنطق إدارة شؤون الدولة بعد التحرير.

ولعل القيادة الجديدة لسوريا ما بعد التحرير استلهمت بعض الدروس من تجربة أردوغان وحزب العدالة والتنمية في بداية الحكم، خطابا ومرونة وانفتاحا وتعاملا مدروسا مع التحديات والقوى المضادة، في الداخل والخارج، وإدارة الصراع بمنطق الدولة.

شاهد القائد أحمد الشرع (الجولاني سابقا) كارثة نظام صدام وهو ينهار، ورأى على الأرض ما كان بداية دولة فاشلة. واقترب من التنظيمات المتطرفة وأنصار مذهب السيف، والعنف مقدم على السياسة، وانفصل عنها، بل وطاردها وقاتل بعضها، وأبعد آخرين، واندمج أكثر مع البيئة الشامية المحلية، وقطع عنه أي صلة بالارتباطات الخارجية.

كانت عينه على تحرير دمشق منذ سنوات، ولم ير حلا للاحتراب الداخلي في الشمال السوري إلا مركزية القرار وتوحيد غرفة عمليات واحدة، وأما نواة الحكم والدولة، فكانت إدلب تجربة الإدارة والحكومة المدنية المؤقتة، واستند إليه في حكم الشام، لكن مع تقدير أنه انتقل من المحلي الضيق إلى الوطني المتنوع الواسع.

ويبدو أنه استوعب في وقت مبكر الحالة المعقدة جدا للبيئة المحلية المُثقلة بجراح الماضي القريب والبعيد، الممتدة من مناطق سيطرة الأكراد في الشمال الشرقي إلى مناطق الدروز في الجنوب، وما بينهما الأغلبية السنية.

القدرة على التجميع الهادئ، والحوار العابر للانقسامات والمُتجاوز لإرث الماضي، امتص بها القلق والتوتر والتشاحن، ولو إلى حين، وكثيرون مرتاحون لنهج الانفتاح وتوسيع دائرة المشورة والنقاش، قبل الحسم والفصل والانتقال إلى البناء المؤسسي ولو في بدايته.

إدارة الصراع والمعارك السياسية والاقتصادية والمسلحة تحتاج إلى قدر من استيعاب الظروف واحتواء الانقسامات وسعة العقل والصدر، وخطابات الطمأنمة والتهدئة، مع القدرة على توسيع نطاق السيطرة وفرض حالة من الانضباط ومنع الانزلاقات الأمنية في الفترة التي أعقبت انهيار نظام الأسد، هذا مهم وسابقه تُحسب للثورة السورية مقارنة بالثورات التي سبقتها.

الانتقال من عقل الثورة إلى عقل الدولة، حدث في لحظة حاسمة وبسرعة ولا أي تلكؤ أو تردد، وكأنهم أعدوا خطط الحكم ما بعد التحرير منذ فترة، ورتبوا لكل الاحتمالات، منعا لأي فراغ أو فوضى، وهو ما تمكنوا منه بعد سقوط النظام، وشهد لهم بذلك الداخل والخارج.

وأنت في معمعة الصراع، وبناء تجربة الحكم والسيطرة على الوضع، وأمامك كل هذا الإرث والتعقيد، والتربص الخارجي، والتحطيم الهائل للبلد من نظام حكم لأكثر من خمسين سنة، ماذا أنت فاعل؟

هنا، لا يمكن فصل البصمة الشخصية والاختيارات للمجموعة الحاكمة الفعلية، وتحولاتها وأطوارها، والتأثير الداخلي والخارجي، وشبح التجارب القريبة الفاشلة، هذا المزيج سيصنع القرار والرؤية ويدير الدولة.

لكن في الأخير، ما جرى فتح مُذهل للشام، وتأثيره عابر للحدود، وربما يقدم تجربة ناهضة واعدة، يمزج فيها أصحابها بين الانفتاح والمرونة والمركزية والانكفاء على بناء الدولة وإنضاج الحكم.

الرسائل الإخبارية

للاطلاع على آخر مقالات "موقع الندوة"، نرجو الاشتراك في خدمة جديد الندوة التي تصل إلى بريدكم الإلكتروني مباشرة من الموقع.