الفقد عظيم والميراث أعظم

 

استشهاد قائد هيئة الأركان العامة، أبو خالد، في الصيف الماضي، مع كوكبة من قيادة المجلس العسكري، أثار مرة أخرى تساؤلات حول فعالية إستراتيجية قطع الرأس التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي. وهذا يعني أن القسام كانت تخوض المعارك وتدير الصراع منذ شهور على الرغم من اغتيال كبار قادتها.

وكشف هذا القوة التنظيمية للتعامل بسرعة مع إستراتيجية قطع الرأس، وهذا واضح في الصور الأخيرة للكتائب وهي تنقل أسرى إسرائيليين من مخيم جباليا، المنطقة التي تم تطهيرها عدة مرات من قبل الجيش الإسرائيلي وكانت تحت الاحتلال لشهور. ويعزز هذا حقيقة أن قطع الرأس لا تأثير له في المنظمات الشبكية مثل حماس.

لا تزال القسام تحتفظ بشبكة أنفاق معقدة، وقدرات هجومية، كما لم تؤثر سياسة تصفية الرؤوس في عملية استخلاف القيادة. أما عن قوة القيادة والشبكة، فإن قراراتها الميدانية والإستراتيجية بعد اغتيال القيادة العليا تظهر رسوخها في التعامل مع أية أزمة غياب قيادة سياسية وعسكرية بسبب حملة الاغتيالات.

فعلى الرغم من أن إسرائيل تمكنت من اغتيال كثير من القيادات العسكرية العليا في القسام، لم تواجه الكتائب أي فراغ قيادي، ولو لساعة واحدة، ولم يتمكن جيش الاحتلال من كسر المقاومة. فمع رحيل الصف الأول عن الساحة بعد عقدين من الجهاد، سيُكتب فصل جديد من جيل جديد، جيل نشأ في ظروف وبيئة مختلفة.

***

كان الضيف، القائد العام لكتائب القسام، أحد المنابع الأخلاقية الكبرى في بنية الجهاز العسكري للمقاومة.

ويكفي أن ندرك تأثيره الشخصي البالغ، أن ثلاثة من آسريه الشخصيين في سجون السلطة الفلسطينية، استطاع تجنيدهم في الأسر، وهم من هرَبه من السجن في الشهر الأول من الانتفاضة الثانية، وأحدهم أصبح أحد قادة القسام واستشهد في عام 2004م.

وعُرف بمواقفه السياسية المُلهمة، ومنها:

رفضُه الاقتتال مع السلطة الفلسطينية في نهاية التسعينيات، وعمَم هذا الموقف على كامل فريقه خلافا لرغبات جارفة لدى أغلب المطاردين، إدراكًا منه بأنها معركة خاسرة سلفًا، وأكسبه هذا قدرة على نسج علاقات وثيقة مع ضباط كثر في الأجهزة الأمنية، وقادة من حركة فتح، وأحدهم آواه وحماه في نهاية التسعينيات.

والثاني، هو قرار توحيد كافة أجنحة وتيارات كتائب القسام بالاتفاق مع الشيخ صلاح شحادة، أول قائد عسكري للكتائب، في بنية عسكرية واحدة، وهي البذرة الأولى للبنية الرسمية للجهاز العسكري، وحوله بمرور الوقت إلى جيش حقيقي.

والثالث، هو قرار اختطاف الجندي الإسرائيلي "شاليط"، وكان قرارا إستراتيجيًا غيَر كل شيء في غزة.

والرابع، رفضُ دمج كتائب القسام في حكومة حماس، وإبقائها بعيدًا عن البنية الحكومية، ويكاد هذا يكون القرار الأكثر تأثيرًا في تاريخ الجهاز، إذ أبقى القسام بعيدًا عن الاحتكاك مع المجتمع، ومنعه من التحول لجهاز بيروقراطي غير فعال.

لذا، ليس الضيف قائدًا فحسب، بل هو تاريخ حيَ ومتحرك، وذاكرة كاملة منذ الانتفاضة الأولى وحتى اللحظة، قائد نجى مرات ومرات، عاش كافة مراحل الجهاد وحقبه وتطوره، مرورًا بلحظة الانبثاق الكبرى في طوفان الأقصى. وهي اللحظة التي ستحوله من قائد في فلسطين، إلى عنوان كامل في تاريخ المنطقة.

الرسائل الإخبارية

للاطلاع على آخر مقالات "موقع الندوة"، نرجو الاشتراك في خدمة جديد الندوة التي تصل إلى بريدكم الإلكتروني مباشرة من الموقع.