إيران ما بعد نظام الأسد
- التفاصيل
- بواسطة المحرر
- الزيارات: 62
بينما كانت أنظار العالم منصبَة على غزة واتفاق وقف الحرب وتبادل الأسرى، كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في موسكو يوقع اتفاقية شراكة إستراتيجية شاملة بين البلدين مع نظيره الروسي قبل ثلاثة أيام من وصول ترامب إلى البيت الأبيض.
بعد سنوات من المفاوضات بين بلدين تربطهما مصالح مشتركة وخصوم مشتركون، تم أخيرا توقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين موسكو وطهران.
وعلى الرغم من هذا الاتفاق، فإن الابتسامات على وجوه رئيسي وبوتن تخفي حقيقة أكثر تعقيدا. زادت طهران من تعاونها العسكري مع موسكو منذ بدء الاجتياح العسكري الروسي لأوكرانيا. بالإضافة إلى ذلك، كان الملف السوري وشراكة البلدين في حماية الأسد ونظامه من السقوط حاسمة في دفع هذا التقارب.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه المصالح المشتركة، لا يبدو أن هذا تحالف إستراتيجي حاسم. تحت السطح، هناك خلافات أكبر وأكثر سخونة بين حلفاء اليوم وأعداء الأمس. لا تخفي وسائل الإعلام الإيرانية مدى الخلافات بين المحافظين والإصلاحيين بشأن العلاقات مع روسيا. إذ يرفض جزء كبير من المسؤولين الحكوميين في حكومة بيزيشكيان التقارب مع روسيا ويفضلون العلاقات مع الغرب، وينظر المحافظون إلى الغرب باعتباره العدو ويعتقدون أن التقارب مع موسكو هو المسار الطبيعي ضمن المشهد الجغرافي الإستراتيجي الأكثر ملاءمة لطهران.
ويبدو أن خامنئي كان الشخصية الحاسمة في هذا الأمر، وقد أعطى الضوء الأخضر لتوقيع الاتفاق مع موسكو في الوقت نفسه الذي سمح فيه بالعودة إلى المفاوضات مع الغرب. لن يأتي اتفاق اليوم بأي جديد على الأرض، فالتعاون في قطاع الطاقة بين البلدين مستمر، والتعاون التكنولوجي العسكري قائم منذ عقدين من الزمن.
وربما الجديد في هذا الاتفاق هو التعاون بين النظامين الروسي والإيراني في القمع الداخلي، أي حال اندلاع احتجاجات شعبية. لكن هذا الاتفاق لا يحل قضايا مثل منظومة إس-400 الروسية التي تطلبها طهران منذ سنوات دون ضوء أخضر من روسيا. كما لن يصلح هذا الاتفاق الأجواء السلبية في وسائل الإعلام الإيرانية أو داخل وزارة الخارجية بعد التطورات الأخيرة في دمشق، خاصة بالنظر إلى اللوم الملقى على روسيا في سقوط الأسد بسبب رفضها توفير الغطاء للإيرانيين لنقل القوات والأسلحة في مواجهة الرفض الإسرائيلي والأميركي.
في نهاية المطاف، فإن السبب الحقيقي وراء توقيع إيران على هذا الاتفاق اليوم هو إجراء احترازي قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض ومحاولة الظهور بمظهر المتماسك محليا وإقليميا بعد سلسلة الخسائر التي تكبدتها طهران في المنطقة. وأما بالنسبة لروسيا، فمجرد خطوة بروتوكولية، ولا شيء أكثر من ذلك.
بالعودة إلى المنطقة، لا يبدو أن طهران أعادت رسم مسار إستراتيجي واضح لخطواتها المقبلة، فهي لا تزال في حالة الصدمة التي تسيطر على صناع القرار منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023.
واليوم، لا يبدو أن القيادة الإيرانية قد حسمت أمرها بشأن خططها للتعامل مع المتغيرات الجديدة في المنطقة، فعلى سبيل المثال، اختارت أغلب الأحزاب السياسية العراقية، التي يعتبر كثير منها موالية لإيران، الحياد الإقليمي، وهذا لسحب أي ذريعة للضربات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية والعقوبات الاقتصادية على العراق، إلا أن طهران رفضت هذا الاقتراح خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي الأخيرة، مما يشير إلى أن صناع القرار الإيرانيين ما زالوا يفتقرون إلى إستراتيجية متماسكة.
وأمام طهران، اليوم، قضيتان أساسيتان: الأولى، البرنامج النووي، والثانية: النفوذ الإقليمي. وتعيش إيران اليوم أسوأ فتراتها منذ الحرب مع نظام صدام حسين، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي.
وبينما يحاول خامنئي الحفاظ ولو جزئيا على الإنجازات التي حققها خلال قيادته للدولة الإيرانية على مدى العقود الثلاثة الماضية، يبدو أن التغيرات الإقليمية تجاوزت صبره الإستراتيجي. كان القرار بعد حرب الخليج الأولى هو تجنب الحرب المباشرة بين إيران وأي دولة أخرى، وكانت الأولوية لهذا النظام دائما البقاء على رأس الدولة الإيرانية، حتى لو كان ذلك على حساب برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي.
لذلك، يجد خامنئي نفسه اليوم أمام خيارات سامَة بين تبني قرار التصعيد البراغماتي للحصول على صفقة بشروط أفضل، وهي خطوة خطيرة، وبين الهدوء والتفاوض والقبول بصفقة سيئة لها عواقب على الداخل الإيراني.
